ابن الجوزي

94

زاد المسير في علم التفسير

والثاني : الأوثان ، قاله مجاهد . وإنما عنوا بهذا أنه لو لم يرض عبادتنا لها لعجل عقوبتنا ، فرد عليهم قولهم بقوله : ( ما لهم بذلك من علم ) وبعض المفسرين يقول : إنما أشار بقوله : " ما لهم بذلك من علم " إلى ادعائهم أن الملائكة إناث ، قال : ولم يتعرض لقولهم : " لو شاء ما عبدناهم " لأنه قول صحيح ، والذي اعتمدنا عليه أصح ، لأن هذه الآية كقوله : ( لو شاء الله ما أشركنا ) ، وقوله : ( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) وقد كشفنا عن هذا المعنى هنالك و " يخرصون " بمعنى : يكذبون . وإنما كذبهم ، لأنهم اعتقدوا أنه رضي منهم الكفر دينا . ( أم آتيناهم كتابا من قبله ) أي : من قبل هذا القرآن ، أي : بأن يعبدوا غير الله ( فهم به مستمسكون ) قوله يأخذون بما فيه . ( بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة ) أي : على سنة وملة ودين ( وإنا على آثارهم مهتدون ) فجعلوا أنفسهم مهتدين بمجرد تقليد الآباء من غير حجة ، ثم أخبر أن غيرهم قد قال هذا القول ، فقال : ( وكذلك ) أي : وكما قالوا قال مترفو القرى من قبلهم ، ( وإنا على آثارهم مقتدون ) بهم . ( قل أولو جئتكم ) وقرأ ابن عامر ، وحفص عن عاصم : " قال أولو جئتكم " بألف . قال أبو علي : فاعل " قال " النذير ، المعنى : فقال لهم النذير . وقرأ أبو جعفر : " أولو جئناكم " بألف ونون ( بأهدى ) أي : بأصوب وأرشد . قال الزجاج : ومعنى الكلام : قل : أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه ؟ ! وفي هذه الآية إبطال القول بالتقليد . قال مقاتل : فردوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ( إنا بما أرسلتم به كافرون ) ، ثم رجع إلى الأمم الخالية ، فقال : ( فانتقمنا منهم . . . ) الآية . وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون ( 26 ) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ( 27 ) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ( 28 ) بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ( 29 ) ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون ( 30 ) قوله تعالى : ( إنني براء ) قال الزجاج : البراء بمعنى البريء ، والعرب تقول للواحد : أنا البراء منك ، وكذلك للاثنين والجماعة ، وللذكر والأنثى ، يقولون : نحن البراء منك والخلاء منك ، لا يقولون : نحن البراءان منك ، ولا البراءون منك ، وإنما المعنى : أنا ذو البراء منك ، ونحن ذو البراء